اقتصاد سوريا في آب 2026: شهر فك العزلة المالية وتسارع الاستثمار وإعادة الإعمار
شهد آب/أغسطس 2026 واحدة من أكثر الفترات كثافة في التحولات الاقتصادية السورية منذ بدء مرحلة التعافي الجديدة. فمن توقع صندوق النقد الدولي نموًا من خانتين، إلى إزالة الولايات المتحدة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وعودة Visa وMastercard إلى التشغيل الفعلي، وإقرار منحة بقيمة 100 مليون دولار لتحديث القطاع المالي،

اقتصاد سوريا في آب 2026: شهر فك العزلة المالية وتسارع الاستثمار وإعادة الإعمار
لم يكن آب/أغسطس 2026 شهرًا اقتصاديًا عاديًا بالنسبة إلى سوريا. ففي أقل من أربعة أسابيع، تلاقت مجموعة من التطورات التي كانت حتى وقت قريب ملفات منفصلة: تحسن توقعات النمو، تقدم إصلاح النظام المالي، إعادة الاتصال بشبكات الدفع العالمية، تخفيف أحد أكبر العوائق الأميركية أمام الاستثمار، دخول استثمارات ومشاريع إقليمية إلى قطاعات البنية التحتية والطاقة والصناعة، وتحول معرض دمشق الدولي إلى منصة مباشرة لعقد شراكات بين الشركات والمستثمرين والحكومات.
وبالنظر إلى المشهد ككل، فإن أهمية آب لا تكمن فقط في حجم الأرقام المعلنة، بل في الانتقال التدريجي من مرحلة إعادة فتح الاقتصاد السوري إلى محاولة بناء الأدوات والمؤسسات والمشاريع التي تسمح بعمله داخل الأسواق الإقليمية والدولية من جديد.
ومع ذلك، لا يزال التمييز ضروريًا بين أربعة مستويات مختلفة: مشروع دخل التنفيذ، اتفاقية أو عقد، مذكرة تفاهم، وتعهد أو خطة استثمارية. فالأرقام المعلنة وحدها لا تكفي لقياس التدفقات الاستثمارية الفعلية.
نمو من خانتين.. لكن التعافي لم يصل بعد إلى الجميع
أحد أهم المؤشرات الاقتصادية خلال الشهر جاء من صندوق النقد الدولي بعد بعثة زارت دمشق بين 19 و23 تموز. الصندوق قال إن التعافي الاقتصادي السوري يتسارع، وتوقع نموًا من خانتين خلال 2026 واستمرار أداء قوي في 2027.
ويربط الصندوق هذا التحسن بتعافي الزراعة بعد تحسن الأمطار، وارتفاع إنتاج النفط والغاز، وتحسن إمدادات الكهرباء، ونمو التجارة والخدمات، إضافة إلى عودة جزء من اللاجئين وزيادة أعداد الزوار والإنفاق الحكومي.
لكن التقرير ذاته يقدم الصورة الأخرى أيضًا: النمو ما يزال غير متوازن بين المناطق، والفقر واسع الانتشار، فيما عاد التضخم إلى الارتفاع خلال 2026 بفعل أسعار الوقود والغذاء المستورد، والطلب المحلي القوي، وارتفاع أسعار الخدمات والسكن.
وفي 10 آب، قدم وزير المالية محمد يسر برنية تقديرًا حكوميًا أكثر تحديدًا، متوقعًا نمو الاقتصاد بنحو 11.3% في 2026 ونحو 9.7% في 2027، مقابل قرابة 4% في 2025. كما توقع أن تتجاوز إيرادات 2026 ثمانية مليارات دولار، مقابل نحو 3.5 مليارات دولار في 2025، مشيرًا إلى أن نحو 75% من الإيرادات المتوقعة تأتي من مصادر وصفها بالمستدامة. وهذه أرقام حكومية ينبغي قراءتها إلى جانب التقديرات المستقلة والمؤسساتية الدولية.
24 آب: إزالة واحد من أكبر العوائق أمام إعادة الاندماج المالي
جاء التحول الخارجي الأهم في 24 آب، عندما ألغت وزارة الخارجية الأميركية رسميًا تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب.
وزارة الخزانة الأميركية قالت إن القرار يهدف، من بين أمور أخرى، إلى المساعدة على زيادة الاستثمار ودعم الاستقرار الاقتصادي. وجاء ذلك بعد خطوات أميركية سابقة شملت إنهاء نظام العقوبات السورية الواسع وإلغاء قانون قيصر في ديسمبر/كانون الأول 2025.
لكن وصف سوريا اليوم بأنها أصبحت «خالية من جميع العقوبات» سيكون غير دقيق. فما تزال هناك عقوبات موجهة وأطر مرتبطة بمحاسبة أشخاص وكيانات محددة، فضلًا عن استمرار سوريا على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي FATF.
بالتالي، انخفضت بصورة كبيرة مخاطر التعامل العامة مع سوريا، لكن متطلبات الامتثال، مكافحة غسل الأموال، معرفة العميل، والتحقق من الأطراف ستبقى عاملًا مهمًا بالنسبة إلى المصارف والشركات الدولية.
اقتصاديًا، الفرق كبير: السؤال الذي كان يواجه الشركات الأجنبية سابقًا هو «هل يمكننا العمل في سوريا أصلًا؟». أما مع تقدم تخفيف القيود، فيتحول النقاش تدريجيًا إلى «ما القطاع المناسب؟ وكيف ندخل السوق؟ ومن سيكون الشريك المحلي؟».
Visa وMastercard: عودة عملية إلى شبكة المدفوعات العالمية
جاءت التطورات المالية بسرعة لافتة.
في 18 آب أُعلن اعتماد إطار جديد للدفع والتحويل الإلكتروني في سوريا بموجب القرار رقم 1124، ووضع إطارًا تنظيميًا لمقدمي خدمات الدفع والنقود الإلكترونية ومشغلي أنظمة الدفع، مع متطلبات للحوكمة والأمن السيبراني وحماية المستخدمين.
ثم انتقلت المسألة من التنظيم إلى الاستخدام الفعلي.
في 27 آب، أُجريت أولى العمليات العملية باستخدام Visa وMastercard بعد سنوات طويلة من الانقطاع. وأكد مصرف سوريا المركزي تنفيذ أول عملية Mastercard بالتعاون مع QNB سوريا بعد استكمال الربط الفني مع الشبكة العالمية، بينما أُجريت أيضًا عملية Visa في دمشق. Financial Times وصفت التطور بأنه خطوة محورية في عودة سوريا إلى النظام المالي الدولي.
المغزى يتجاوز قدرة شخص على الدفع ببطاقة أجنبية؛ فشبكات الدفع الحديثة هي جزء من البنية التي يحتاج إليها التجارة الإلكترونية والسياحة والمستثمرون والأعمال الدولية والتحويلات والخدمات الرقمية.
البنك الدولي يدخل مباشرة في تحديث النظام المالي
في 7 آب أعلن البنك الدولي الموافقة على منحة بقيمة 100 مليون دولار لسوريا ضمن مشروع تحديث القطاع المالي.
المشروع يستهدف تطوير البنية التحتية للمدفوعات والأسواق المالية، الأنظمة التقنية للمصرف المركزي، الأمن السيبراني، البنية الائتمانية، الرقابة المصرفية، مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإجراء مراجعات مستقلة لجودة أصول المصارف.
والبنك الدولي يصف القطاع المالي السوري الحالي بأنه صغير، شديد الاعتماد على النقد، محدود الوساطة المالية، ويعاني بنية دفع رقمية متقادمة. ويستهدف المشروع، على مدى تنفيذه، تمكين ما لا يقل عن 15 مليون عملية دفع إلكترونية للتجزئة سنويًا، ومساعدة مئات الآلاف من الأفراد والشركات على استخدام المدفوعات الرقمية.
المعنى الأوسع أن تحديث المصارف لم يعد ملفًا تقنيًا داخليًا فقط؛ بل أصبح شرطًا أساسيًا لجذب رأس المال وتمويل الشركات والتجارة وإعادة الإعمار.
سوريا والسعودية: من العلاقات التجارية إلى البنية التحتية والتمويل
شكّل الحضور السعودي أحد أبرز ملامح الأسبوع الأخير من آب.
بنك سوري–سعودي مشترك
في 27 آب أعلن مصرف سوريا المركزي التوافق مع الجانب السعودي على إنشاء بنك سوري–سعودي مشترك، إلى جانب تطوير قنوات مصرفية مباشرة ومنظمة لنقل الأموال المرتبطة بالاستثمار بين البلدين.
المشروع لا يزال في مرحلة الاتفاق وليس مصرفًا عاملًا بعد، لكن أهميته المحتملة كبيرة لأنه يمكن أن يوفر مستقبلاً قناة مصرفية مباشرة للمستثمرين والشركات بين السوقين.
السكك الحديدية والطرق
في اليوم نفسه وقعت سوريا والسعودية مذكرتي تفاهم للتعاون في السكك الحديدية والطرق تشمل الدراسات، تبادل الخبرات، تطوير الأطر الفنية والتنظيمية، الرقمنة، السلامة، تدريب الكوادر وتوطين صناعات مرتبطة بالسكك الحديدية.
هنا أيضًا نحن أمام مذكرات تفاهم ودراسات تمهيدية وليست عقود تنفيذ نهائية، لكنها تفتح ملفًا استراتيجيًا يرتبط بتحويل سوريا مستقبلًا إلى حلقة في شبكات النقل الإقليمية بين المتوسط والعراق والخليج وتركيا.
كما وقع البلدان اتفاقية محدثة للنقل الجوي تستند إلى مبدأ السماء المفتوحة، إضافة إلى مذكرة في الخدمات البريدية واللوجستية.
المياه والتحلية
وزارة الطاقة السورية وقعت مع ACWA Power وشركة نقل المياه السعودية اتفاقية خدمات فنية لإعداد الدراسات الخاصة بمنظومة متكاملة لمصادر المياه والتحلية والنقل، بمشاركة Fichtner الألمانية مستشارًا فنيًا.
المرحلة الحالية هي دراسات فنية، وليس بناء محطات مكتملة، لكنها تشير إلى دخول ملف المياه بقوة ضمن الاستثمار في البنية التحتية السورية.
حديد حماة
وفي 28 آب وقعت وزارة الاقتصاد والصناعة مذكرة تفاهم لمدة 30 عامًا مع مجموعة إثراء السعودية لإعادة تأهيل وتحديث وتشغيل معمل حديد حماة.
المشروع يستهدف إدخال خطوط إنتاج حديثة ورفع الطاقة الإنتاجية تدريجيًا إلى ما لا يقل عن 350 ألف طن سنويًا خلال أربع سنوات.
ولقطاع إعادة الإعمار تحديدًا، يحمل هذا المشروع أهمية مباشرة؛ لأن زيادة الإنتاج المحلي من الحديد يمكن أن تؤثر في سلسلة التوريد وتكاليف المشروعات الإنشائية المستقبلية.
الإمارات: طرطوس والعقار والتجارة الإلكترونية
الإمارات أيضًا تتحرك عبر أكثر من مسار.
800 مليون دولار في مرفأ طرطوس
يعد مشروع DP World في طرطوس من المشاريع التي يمكن تمييزها عن كثير من الإعلانات الأخرى لأنه دخل التنفيذ الفعلي.
الشركة تعمل بموجب امتياز مدته 30 عامًا وبرنامج استثمار بقيمة إجمالية تبلغ نحو 800 مليون دولار لتحديث المرفأ.
وفي 17 آب أعلنت DP World اكتمال وصول ثلاث رافعات مرفئية متحركة جديدة، متوقعة أن ترفع قدرة مناولة البضائع في المرفأ بنحو 40%. وتشمل الخطة الأوسع بنية تحتية وتجهيزات حديثة ورقمنة وتحسين العمليات.
هذا النوع من الاستثمار له تأثير يتجاوز المرفأ إلى أسعار النقل والاستيراد والتصدير وسلاسل التوريد وقدرة الشركات السورية على الوصول إلى الأسواق.
إعادة تفعيل مجلس الأعمال السوري–الإماراتي
في بداية آب أعيد تفعيل مجلس الأعمال الإماراتي–السوري في محاولة لتحويل العلاقات إلى قناة أكثر تنظيمًا بين الشركات والمستثمرين.
خطط محمد العبار
وكان رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار قد أعلن في أيار عن دراسة استثمارات تصل إلى 18 مليار دولار في سوريا، منها مشاريع محتملة على الساحل وفي دمشق وريفها.
ومن الضروري هنا استخدام كلمة «خطط» أو «استثمارات محتملة»، وليس اعتبار كامل الرقم أموالًا دخلت السوق فعليًا.
كما أعلنت منصة Noon للتجارة الإلكترونية، التي شارك العبار في تأسيسها، خططًا لدخول السوق السورية، في مؤشر إلى أن الاهتمام الخليجي لا يقتصر على العقارات والبنية التحتية التقليدية بل يمتد إلى الاقتصاد الرقمي.
قطر: مشروع زراعي وغذائي بـ3.3 مليارات دولار
أحد أكبر المشاريع الاستثمارية المعلنة المرتبطة بسوريا خلال الفترة الأخيرة هو مشروع Baladna Food Industries القطري بقيمة 3.3 مليارات دولار.
الخطة تغطي نحو 2,400 كيلومتر مربع في منطقة حوض الفرات، وتشمل زراعة القمح والقطن وإنتاج الألبان والأجبان والتصنيع الغذائي والمنسوجات.
المشروع مهم لأنه يمثل نموذجًا مختلفًا عن المشروعات العقارية؛ فهو يربط الزراعة بالإنتاج الصناعي وسلسلة القيمة والتشغيل والأمن الغذائي.
النفط والغاز والكهرباء: سباق على قطاع يحتاج عشرات المليارات
قطاع الطاقة مرشح ليكون أحد أكبر أسواق الاستثمار في سوريا.
S&P Global نقلت في 25 آب أن سوريا تستهدف الوصول إلى إنتاج نفطي يقارب 800 ألف برميل يوميًا بحلول 2029، إلى جانب طرح ما بين 15 و17 منطقة استكشاف جديدة ودراسة مصفاة بطاقة 200 ألف برميل يوميًا.
الهدف طموح للغاية مقارنة بمستويات الإنتاج الحالية، ولذلك يجب التعامل معه باعتباره هدفًا حكوميًا مستقبليًا وليس توقع إنتاج مضمونًا.
تركيا دخلت هذا الملف بقوة أيضًا. وزير الطاقة التركي أعلن في دمشق استعداد شركة النفط الحكومية TPAO وشركات تركية أخرى لبدء أعمال المسح والاستكشاف البرية والبحرية.
وبحسب أرقام وزارة الطاقة للنصف الأول من 2026، أعيد 152 بئرًا إلى الإنتاج، ودخلت عشرة آبار جديدة الخدمة، وأُصلحت 21 بئرًا أخرى. كما تحدث الجانب التركي عن رفع قدرة الربط الكهربائي بين البلدين إلى أكثر من 800 ميغاواط.
وفي تحليل نشرته The National في 30 آب، قُدرت التعهدات المرتبطة بالتوليد والنقل والاستكشاف في قطاع الطاقة السوري بأكثر من 10 مليارات دولار. ويظل من المهم التفريق بين الأموال المتعهد بها والاستثمارات التي صُرفت بالفعل.
الشراكة الصناعية السورية–التركية تتوسع
لم يقتصر الدور التركي على النفط والغاز.
في 27 آب، وقعت إدارة مدينة باب الهوى الصناعية اتفاقية مع شركة iSRA التركية لتوسعة وتطوير المدينة، بما يستهدف توفير نحو ألفي فرصة استثمار صناعي.
وأظهرت المعلومات اللاحقة أن التوسعة الجديدة تشمل نحو 360 ألف متر مربع إضافية قابلة للاستثمار.
كما جرت مناقشات حول الفوسفات والتعدين، في حين تتوسع الاتصالات السورية–التركية المتعلقة بالمعابر والتجارة والترانزيت.
كل ذلك يشير إلى تحول العلاقة تدريجيًا من تجارة حدودية إلى إنتاج واستثمار وسلاسل توريد مشتركة.
العراق: عودة الشريك التجاري ومسار نحو ربط أوسع
في 29 آب وقع اتحاد غرف التجارة السورية ونظيره العراقي مذكرة تفاهم تستهدف زيادة التبادل التجاري وتشجيع الاستثمارات والشراكات المباشرة بين رجال الأعمال في البلدين.
وبالتوازي، يزداد الاهتمام بخيارات ربط العراق بالموانئ السورية وشبكات النقل الإقليمية. وقد ناقشت تقارير دولية إمكانية تطوير ممرات تربط موانئ المتوسط بالعراق والخليج كبدائل لوجستية إضافية.
إلا أن بعض مشاريع الأنابيب والممرات الكبرى المتداولة ما تزال في مراحل سياسية أو فنية مبكرة، ولا ينبغي إدراج قيمتها ضمن الاستثمارات المنفذة قبل وجود عقود وتمويل وجداول تنفيذ واضحة.
معرض دمشق الدولي يتحول إلى منصة B2B وB2G
جاءت الدورة الـ63 من معرض دمشق الدولي، الممتدة من 26 آب إلى 4 أيلول، في توقيت اقتصادي استثنائي.
خصصت الأيام الثلاثة الأولى، من 26 إلى 28 آب، لرجال الأعمال والمستثمرين والوفود الرسمية، وشهدت جلسات B2B وB2G ومباحثات مباشرة بين الشركات والجهات الحكومية.
ووفق البيانات الرسمية، شاركت قرابة ألف جهة في الدورة الحالية، فيما أسفرت الأيام التجارية الأولى عن مجموعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في التجارة والصناعة والاستثمار.
وتزامن المعرض نفسه مع توقيع اتفاق حديد حماة، اتفاق باب الهوى الصناعية، التعاون التجاري السوري–العراقي، ومجموعة من الاتفاقيات السورية–السعودية.
وهكذا أخذ المعرض هذا العام دورًا يتجاوز العرض التجاري التقليدي إلى منصة لاكتشاف الموردين والشركاء والمشاريع وعقد الاجتماعات الاستثمارية المباشرة.
من 20 مجلس أعمال إلى 62
أعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة أن سوريا تمتلك حاليًا شبكة تضم 20 مجلس أعمال مشتركًا مع دول عربية وأجنبية، مع خطة لرفع العدد إلى 62.
وتشمل القائمة الحالية دولًا مثل السعودية والإمارات وتركيا والولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا والصين وكندا والأردن ومصر والكويت وغيرها.
الهدف المعلن هو تحويل هذه المجالس من منصات لقاء إلى أدوات لتوليد الصفقات والمشاريع والوصول إلى الأسواق.
المدن الصناعية تستعد لموجة الطلب الجديدة
بالتوازي، أعلنت إدارة المدن الصناعية خططًا لتوسعة عدد من المدن القائمة، بينها مدينة عدرا الصناعية في ريف دمشق، وتحسين البنية التحتية لاستيعاب الطلب المتزايد على الاستثمار.
وإذا جمعت توسعة عدرا وباب الهوى مع إعادة تشغيل حديد حماة واستثمارات الطاقة والموانئ، فإن أحد أهم الاستنتاجات هو أن دورة الاستثمار السورية المقبلة لن تكون دورة «عقارات سكنية» فقط.
الطلب المحتمل يمتد إلى الآلات وخطوط الإنتاج والمستودعات واللوجستيات والكهرباء الصناعية والمياه والحديد والألمنيوم والزجاج والعزل والمواد الكيميائية ومواد التشطيب وأنظمة البناء والخدمات الهندسية.
تحديث الطيران: وصول أول طائرتين من أصل ثماني A320
وفي ملف النقل الجوي، أعلنت هيئة الطيران المدني وصول أول طائرتين من أصل ثماني طائرات Airbus A320 ضمن برنامج تحديث الأسطول المرتبط بمشروع تطوير مطار دمشق الدولي مع Urbacon.
وبحسب الهيئة، خضعت الطائرتان للفحوص والصيانة والتقييم الفني قبل الاستلام.
تطوير الطيران ليس ملف نقل منفصلًا عن الاقتصاد؛ فهو يرتبط بالسياحة، حركة المستثمرين، التجارة، الأعمال الدولية وتحسين الاتصال المباشر مع الأسواق الخارجية.
فاتورة إعادة الإعمار: 216 مليار دولار هي نقطة الانطلاق
لفهم حجم السوق، يبقى تقدير البنك الدولي الصادر في 2025 مرجعًا مهمًا.
البنك قدر تكلفة إعادة بناء الأصول المادية المتضررة بنحو 216 مليار دولار كتقدير مركزي، ضمن نطاق محتمل يتراوح بين 140 و345 مليار دولار.
ويتوزع التقدير المركزي على نحو:
82 مليار دولار للبنية التحتية. 75 مليار دولار للمباني السكنية. 59 مليار دولار للمباني غير السكنية.
أما حجم الضرر المادي المباشر فقد قُدّر بنحو 108 مليارات دولار.
هذه الأرقام تفسر سبب تسارع الاهتمام الإقليمي والدولي بقطاعات مواد البناء والطاقة والنقل والمياه واللوجستيات والهندسة.
العقار السوري: أرقام كبيرة.. لكن من أين يأتي التمويل؟
وسط موجة التفاؤل، يقدم الإعلام السوري المستقل زاوية مهمة للغاية.
تحقيق نشرته عنب بلدي في 23 آب قدّر قيمة مجموعة من المشاريع العقارية المعلنة منذ نهاية 2025 بما يتراوح بين 2.5 وثلاثة مليارات دولار، لكنه أشار إلى أن جزءًا مهمًا من تمويل هذه المشاريع يعتمد على الدفعات المسبقة من المشترين السوريين، لا على تدفقات مباشرة لرأس مال أجنبي تعادل كامل القيمة المعلنة للمشاريع.
وهنا يجب التمييز بين ثلاثة مفاهيم:
قيمة المشروع، قيمة الاستثمار المتعهد به، والتدفق النقدي الأجنبي الفعلي إلى سوريا.
منصة إمداد ستعتمد هذا التفريق عند تغطية المشاريع؛ فالإعلان عن مشروع بقيمة مليار دولار لا يعني بالضرورة أن مليار دولار دخل إلى الاقتصاد في تاريخ الإعلان.
الوجه الآخر للتعافي: التضخم والفقر والأمن الغذائي
الأرقام الاستثمارية الكبيرة لا تعني أن الأزمة المعيشية انتهت.
برنامج الأغذية العالمي يقول إن 7.2 ملايين شخص في سوريا يواجهون انعدامًا حادًا للأمن الغذائي، وإن 18% فقط من السكان يُعدّون آمنين غذائيًا.
وفي مايو اضطر البرنامج بسبب نقص التمويل إلى خفض مساعداته الغذائية الطارئة من 1.3 مليون مستفيد إلى 650 ألفًا، وإيقاف برنامج دعم الخبز على مستوى البلاد.
وفي 26 آب أعلنت كوريا الجنوبية وبرنامج الأغذية العالمي مرحلة ثانية من مبادرة REACH بقيمة 5 ملايين دولار، تستهدف الغذاء والتغذية لنحو 85 ألف شخص خلال 12 شهرًا.
هذا التناقض بين نمو اقتصادي سريع واستثمارات بمليارات الدولارات من جهة، واستمرار الفقر والهشاشة الغذائية من جهة أخرى، سيكون أحد أهم معايير الحكم على نجاح التعافي السوري.
ماذا يعني آب 2026 اقتصاديًا؟
عند جمع هذه التطورات، يمكن القول إن آب 2026 مثّل شهر انتقال أكثر مما كان مجرد شهر مليء بالإعلانات.
فقد حدث تقدم في أربع طبقات في الوقت نفسه:
الطبقة المالية: تخفيف القيود الأميركية، أنظمة الدفع الجديدة، Visa وMastercard، مشروع البنك الدولي والبنك السوري–السعودي المقترح.
طبقة البنية التحتية: طرطوس، السكك، الطرق، المياه، الطيران والطاقة.
الطبقة الإنتاجية: حديد حماة، المدن الصناعية، الزراعة والتصنيع الغذائي، النفط والغاز.
طبقة التجارة والاستثمار: معرض دمشق الدولي، مجالس الأعمال، الشراكات مع السعودية والإمارات وقطر وتركيا والعراق.
لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد التوقيع.
السؤال خلال الأشهر المقبلة لن يكون فقط: كم تبلغ قيمة الاتفاقيات المعلنة؟
بل:
كم مشروعًا أغلق تمويله؟ كم مشروعًا بدأ أعماله الإنشائية؟ كم عقد توريد صدر؟ كم شركة وظفت عمالًا؟ كم آلة دخلت المصنع؟ كم ميغاواط دخل الشبكة؟ وكم تحسن دخل الأسرة السورية وقدرتها الشرائية؟
من الإعلان إلى الفرصة: ما الذي ينبغي أن تراقبه الشركات؟
بالنسبة للشركات والموردين والمقاولين والمكاتب الهندسية، فإن الاتجاه الحالي يفتح مجموعة واسعة من الفرص المباشرة وغير المباشرة.
أكثر القطاعات التي تستحق المراقبة هي مواد البناء والإنشاءات، الحديد والمعادن، الطاقة والكهرباء، المياه والتحلية، النقل واللوجستيات، المعدات الصناعية، النفط والغاز، الزراعة والتصنيع الغذائي، العقار والسياحة، والتكنولوجيا والمدفوعات الرقمية.
وهنا ستصبح قيمة المعلومات الاقتصادية مرتبطة بالقدرة على الانتقال من خبر يقول إن «مشروعًا أُعلن» إلى بيانات عملية تجيب عن:
من صاحب المشروع؟ أين يقع؟ ما مرحلته؟ من المقاول؟ ما المواد المطلوبة؟ متى تبدأ المشتريات؟ ومن يستطيع تقديم عرض أو شراكة؟
وهذا هو التحول الذي تتابعه IMDAD: من نقل أخبار إعادة الإعمار إلى بناء صورة منظمة عن المشاريع والشركات والفرص وسلاسل التوريد التي تشكل اقتصاد سوريا الجديد.
